الزملاء الأعزاء: نشرت هذا الموضوع سابقا في منتدى آخر، وأعيد نشره هنا مع بعض الزيادة والتعديل الذي ساهم به الرفاق:
من مقولات المسلمين المشهورة ، وإدعائتهم التعسفية ، أن "القرآن يصلح لكل زمان ومكان" ، ولقد شغل هذا الموضوع حيزا هائلا من النقاش في الساحة الإسلامية وأشبع بحثا على مدى العصور ، وبالرغم من هذا فقد عجزت عن أجد بحثا حول صلاحية القرآن في الجنة . وبعبارة أخرى أحب أن أطرح هنا سؤالا بسيطا: هل يصلح القرآن لواقع الجنة الزماني والمكاني؟
ظهرت قضية خلق القرآن وأزليته أثناء العصر الذهبي للدولة الإسلامية ، وقد أيد المأمون المعتزلة في مقولتهم أن القرآن مخلوق ، بينما وقف الأشعريون والحنابلة ضد هذه المقولة ، وبشكل عام ، وبدون الدخول في التفاصيل يمكن القول أن التيار السني المسيطر على معظم الساحة الإسلامية حاليا تبنى بعد المأمون القول بأن القرآن أزلي. ولا أشك أن هذه الجملة ستثير الكثير من الإحتجاج ولكن ما يعنيني هنا هو أن هذا الصراع أدى إلى بحث ، حسب علمي، أزلية القرآن وخلقه بالنسبة للماضي ولكنه لم يتطرق لبحثها في المستقبل. وقد بحثت في كتب الأحاديث عن القرآن في الجنة فلم أجد للآن إلا أشارة عارضة عن أن النبي محمد قد "سمع حارثة بن النعمان يقرأ القرآن في الجنة"
أزلية القرآن توقع قائلها في إشكال كبير ، وذلك لأنها تعني بالضرورة أن القرآن يظل ساري المفعول في الحياة الأخرى، في الجنة وفي النار ، ويظهر هذا الأشكال في تعارض عدد كبيرمن الآيات القرآنية ، إن لم نقل معظمها، مع الواقع الجديد الذي تفرضه الجنة والنار. ونورد فيما يلي أمثلة لآيات يصعب تصور دوام سريان مفعوليتها وصلاحيتها في الجنة:
مثال 1:
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ {محمد/4}
في الجنة ستثير هذه الآية الكثير من الأسئلة:
1- كيف يلتقي المؤمنون مع الذين كفروا ليضربوا رقابهم؟
2- هل يجوز ضرب الرقاب في الجنة؟
3- هل أصلا يوجد كفار في الجنة ، ولو فرضنا أن الله سيسمح للمؤمنين بالجهاد كرياضة ، يستمتعون فيها بضرب الرقاب ، هل سيحضر لهم الكفار من أهل النار ليمارسوا عليهم رياضتهم في ضرب الرقاب؟ وكيف يسمى أهل النار كفار وهم قد قد آمنوا (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا {النبأ/40}ا) بعد رأوا في هذا الوقت بأم أعينهم وبجلودهم المشوية حقيقة الله وحقيقة رسالة محمد؟
4- كيف سيفدي الكفار أنفسهم في الجنة ؟ هل سيدفعوا قطع الذهب ، أم رؤوس الجمال للمؤمنين الذين يملك أي منهم قصرا طوله وعرضه مسيرة سبعين يوم ؟
5- هل سيصر الله على ابتلاء المؤمنين حتى في الجنة؟ ألم ينتهى الإبتلاء على الأرض؟
6- في هذا الزمن يكون الله قد كافئ من قتلوا في سبيل الله ، فكيف يستقيم معنى "لن يضل أعمالهم" مع حقيقة وجودهم في الجنة؟
مثال 2:
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ {آل عمران/97}
بعد حدوث يوم القيامة يكون كل شئ قد دمر وتبخر (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) فلن يكون هناك مقام إبراهيم أو بيت لله. فكيف سيدخل أهل الجنة البيت؟ هل ستدخل الكعبة الجنة كما يدخلها المؤمنين؟ وأليس أهل الجنة آمنين في كل مكان فيها؟ وكيف سيحجون له؟ ومرة أخرى كيف سيكفر كائن سواء من سكان الجنة أو سكان النار وهم يعيشون الآخرة وقد كشف الغطاء وبصرهم حديد ؟
مثال 3:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ {القمر/1}
لا معنى لهذه الآية الكريمة ، لأن "الساعة" أي يوم القيامة ستكون قد حدثت ، اللهم إلا أن يكون الله يتوعد أهل الجنة بحدوث "ساعة" أخرى في عالم ما بعد الموت. كما أن القمر الذي نعرفه حاليا سيكون قد تبخر وتحطم، فهل سيكون في الجنة قمر آخر؟ وهل سيطلع هذا القمر على الجنات السبع أم أن لكل جنة قمرها الخاص بها؟
مثال 4:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ {الناس/1} مَلِكِ النَّاسِ {2} إِلَهِ النَّاسِ {3} مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ {4} الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ {5} مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ {الناس/6}
إن صح أن القرآن سيكون ساري المفعول في الجنة، فإن هذه الآية الكريمة تعني أن "الوسواس الخناس" ، أي الشيطان، حسب جميع التفاسير ،سيتمكن من "الوسوسة" في "صدور" ، أي عقول ، الناس في الجنة. وهذا يعني أن تفسير صادق جلال العظم "لمأساة" إبليس صحيح وأن الله سيعفو عنه وأنه سيكون من سكان الجنة، ولكن هذا سيثير أسئلة جديدة: هل سيتمكن إبليس من الوسوسة في "صدور" الناس حتى في الجنة كما فعلها من قبل ونتج عن وسوسته طرد آدم وحواء منها؟ هل سيسمح للشيطان بالوسوسة بين المؤمنين وحور عينهم وأزواجهم؟ وما سيكون شكل العقوبة عندها خصوصا وأن الأرض ستكون قد محيت من الوجود ولن يكون هناك مجال لتنزيلهم إليها مرة أخرى؟ هل سيهبطهم الله إلى النار بدلا من الأرض؟
مثال 5:
إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم ٌ {المائدة/33}
من الواضح أن هذه الآية ستخرج عن سياق الزمان والمكان في الجنة حيث من المستحيل أن يكون للمفسدين خزي في الأرض بعد زوالها ، وأن يتوقعوا عذابا عظيما في الآخرة وهي حاصلة يعيشون فيها، وكذلك لخلو الجنة والنار والعالم الآخر ممن سيحارب الله ورسوله ، واستحالة السعي للفساد في الأرض والتي ، كما أسلفنا أعلاه، ستكون محيت من الوجود. وإن كان هناك سعي للفساد في الجنة، فإين الدوريات الملائكية المسلحة؟ كما أن التهديد بالعذاب العظيم في الآخرة سيكون خارجا عن الأعجاز اللغوي المفروض في القرآن لأن الآخرة ستكون قد وقعت بالفعل.
مثال 6
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم
إذا تدبرنا هذه الآية في بيئة الجنة، نجد الأسئلة والتناقضات (المكرر بعضها) التالية:
1. كيف ستنسلخ الأشهر الحرم في الجنة ، علما أن القمر سيكون قد تحطم ؟ وبدون القمر كيف سيعرف المسلمون بداية ونهاية الأشهر؟ ومرة أخرى نسأل، هل سيكون هناك قمر جديد في الجنة؟
2. إن هناك أشهر حرم في الجنة لا يجوز سفك الدماء فيها، فهل يعني هذا أنه سيكون هناك أشهر حلل يحل في سفك الدماء ، أي سفك الدماء في الجنة؟
3. لن يكون هناك مشركين في الجنة لأنها مأوى للمؤمنين فقط. إذن كيف سيقتل أهل الجنة المشركين ؟ ومن أين سيأتوا بهم؟ وكما قلنا سابقا ، حتى التفكير بإحضارهم من النار لن يتوافق مع الآية لأن كل أهل النار سيكونوا قد آمنوا بعد أن شهدوا البعث بأنفسهم.
4. فرضا أن الله بقدرته خلق مشركين للمؤمنين لقتالهم ثم هزموا وأسلموا ، فمن أين سيخلوا سبيلهم ؟ من سجون الجنة ومعسكرات الإعتقال فيها؟ وكيف سيدفعوا الزكاة ولمن؟
5. هل يمكن الأستنتاج أن بيئة الجنة الطبيعية ستكون مشابهة للأرض ، بمعنى هل سيكون طول اليوم أربعة وعشرين ساعة ؟ هل سيكون طول الشهر القمري تسعة وعشرون يوما ونصف؟ هل ستكفي رؤية الهلال بالعين المجردة للبدأ بحساب الأشهر أم أن الملائكة ستطير فوق الأفق لرؤيته والقسم على ذلك؟
مثال 7:
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّه
هل يجوز لله أن يهدد نساء النبي بالعذاب المضاعف بعد أن أدخلهن الجنة؟ وكيف ستأتي نساء النبي بالفاحشة والجنة مطهرة من الذنوب؟ أم هل سيكون هناك إحتمال لأهل الجنة أن يقعوا في الذنب وأن يذهبوا منها للنار لتذوق ضعفي العذاب؟
مثال 8:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {الأنعام/97}
حتى تصح هذه الآية في الجنة، فإن هذا يعني ضرورة أنه يوجد فيها ظلام وأن الإهتداء عبره سيكون عن طريق النجوم، وبغض النظر عن أن النجوم ستكون هي الآخرى قد انهارت بفعل تدمير يوم القيامة الشامل (اللهم إلا إن اعتبرناها "مصابيح في السماء الدنيا ) فهل من المعقول أن الإهتداء في ظلام الجنة سيكون عن طريق الإهتداء بالنجوم ، وهي التي عرضها كعرض السموات والأرض؟ إن قارنا التقدم في طرق المواصلات الذي وصلنا إليه في القرن الواحد والعشرين بما كانت عليه المواصلات أيام محمد، فلمذا لا نتوقع أن تكون طرق المواصلات ، بما فيها طرق الإهتداء متطورة أكثر بكثير من الإهتداء عن طريق النجوم. كنت أتوقع أن تكون هناك شرطة ملائكية لتنظيم المرور ، سواء في بر الجنة أم في أنهارها.
مثال 9
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ {النساء/3}
ستعرض هذه الآية طبيعة الحياة في الجنة إلى خلل كبير، ذلك أنه ليس من المتوقع أن يكون الظلم من الأمور التي يخشى سكان الجنة من الوقوع فيها بسبب غياب إبليس المفروض (تناقض مع مثال 3 أعلاه) ، كما أنه من غير المتوقع وجود الأيتام في الجنة لأن آبائهم وأمهاتهم سيكونوا قد بعثوا وسيكونوا أحياء يرزقون إما في الجنة ، وإما في النار. إضافة ألى ذلك فإن وجود ملك اليمين سيتعارض مع أبسط مبادئ العدالة المتوقعة في الجنة.
ليست هذه الأمثلة إلا غيض من فيض، وتدبر آيات الوعد والوعيد ، والقصص والأحكام سيعطي قارئ القرآن معنى وضاحا أنه لن يكون صالحا في عالم الخلود.
وأخيرا أتمنى لو قام الزملاء بالمساعدة في ايراد الآيات التي تتناقض تناقضا صارخا مع واقع وجود الناس في الجنة.
تحياتي ومحبتي
"شكرا لك":
*